في السنوات الأخيرة، أصبح الصيام المتقطع من أكثر الأنظمة الغذائية تداولًا عند الحديث عن تحسين صحة الأيض والتحكم بالوزن. ولكن بعيدًا عن ما يتم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي، ماذا تقول الدراسات العلمية فعلًا؟ وهل الصيام المتقطع مناسب وآمن للجميع؟
في مستشفى ريم بأبوظبي، نساعد المرضى الذين يفكرون في اتباع الصيام المتقطع للتحكم بالوزن، وتحسين صحة الأيض، ودعم إدارة بعض الأمراض المزمنة. في هذا الدليل، نستعرض الصيام المتقطع من منظور طبي، مع توضيح فوائده المحتملة، ومخاطره، وكيفية تطبيقه بطريقة أكثر أمانًا.
ما هو الصيام المتقطع؟
الصيام المتقطع هو نمط غذائي يعتمد على التناوب بين فترات تناول الطعام وفترات الامتناع عنه. وعلى عكس الحميات الغذائية التقليدية، يركز الصيام المتقطع بشكل أكبر على متى تأكل وليس فقط على ماذا تأكل.
ويقوم هذا النمط على إعطاء الجسم فترات منتظمة دون تناول الطعام، ما قد يساعد في تنظيم بعض الهرمونات، ومستويات الإنسولين، وطريقة استخدام الجسم للدهون كمصدر للطاقة.
أشهر أنظمة الصيام المتقطع
يعتمد اختيار جدول الصيام المتقطع المناسب على الحالة الصحية، ونمط الحياة، والأهداف الفردية.
- الصيام المتقطع لمدة12ساعة: يُعد الصيام لمدة 12 ساعة من الخيارات المناسبة عادةً للمبتدئين (مثل: تناول الطعام من الساعة 8 صباحًا حتى 8 مساءً، ثم الصيام خلال الليل).
- البدء بالصيام بصورة تدريجية وسهلة
- سهولة الالتزام به
- تقليل احتمالية حدوث بعض الأعراض الجانبية
- الصيام المتقطع لمدة17ساعة: يُعرف أيضًا بنظام 17:7، أي الصيام لمدة 17 ساعة وتناول الطعام خلال نافذة مدتها 7 ساعات.
- دعم خسارة الدهون
- تحسين التحكم في الشهية
- الصيام المتقطع لمدة24ساعة: قد يقوم بعض الأشخاص بالصيام لمدة 24 ساعة مرة أو مرتين أسبوعيًا.
- قد يؤدي إلى تأثيرات أكبر على عمليات الأيض، لكنه أكثر صعوبة، ولذلك يُفضّل تطبيقه تحت إشراف طبي، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة أو يتناولون أدوية بانتظام.
- الصيام المتقطع لمدة36ساعة: الصيام لمدة 36 ساعة يُعد من الأنواع الأطول والأكثر تحديًا، وقد لا يكون مناسبًا للجميع. وعند التفكير في الصيام لمدة 36 ساعة، من المهم اتباع طريقة آمنة ومنظمة عند العودة إلى تناول الطعام لتجنب اضطرابات الجهاز الهضمي، أو التغيرات المفاجئة في مستوى سكر الدم، أو الإفراط في تناول الطعام بعد انتهاء فترة الصيام.
- يُفضّل كسر الصيام تدريجيًا، والبدء بوجبات خفيفة ومتوازنة وسهلة الهضم تحتوي على البروتين، والألياف، والدهون الصحية، للمساعدة في الحفاظ على استقرار عمليات الأيض.
فوائد الصيام المتقطع
تشير الدراسات إلى وجود عدد من الفوائد المحتملة للصيام المتقطع، خاصةً عند تطبيقه بطريقة صحيحة ومناسبة للحالة الصحية:
- الصيام المتقطع لخسارة الوزن: تُعد خسارة الوزن من أكثر الأسباب شيوعًا لتجربة الصيام المتقطع. وقد يساعد على ذلك من خلال:
- تقليل إجمالي السعرات الحرارية المستهلكة
- تحسين حساسية الجسم للإنسولين
- زيادة اعتماد الجسم على الدهون كمصدر للطاقة
- تشير الأبحاث إلى إمكانية وجود علاقة بين الصيام المتقطع وخسارة الوزن، خاصةً عندما تكون نوعية الطعام المتناول خلال فترة الأكل متوازنة وصحية.
- الصيام المتقطع لخسارة الدهون: لا تعني خسارة الوزن دائمًا خسارة الدهون فقط، فقد تشمل أيضًا تغيرات في كمية السوائل أو الكتلة العضلية. وخلال فترات الصيام، تنخفض مستويات الإنسولين، ما قد يشجع الجسم على استخدام الدهون المخزنة للحصول على الطاقة.
- الصيام المتقطع والكوليسترول: تشير بعض الدراسات إلى أن الصيام المتقطع قد يساعد على تحسين مستويات الدهون في الدم لدى بعض الأشخاص، وقد يشمل ذلك:
- انخفاض مستوى الكوليسترول الضار (LDL)
- انخفاض الدهون الثلاثية
- احتمال تحسن مستوى الكوليسترول الجيد (HDL)
- الصيام المتقطع وضغط الدم: قد يلاحظ بعض المرضى المصابين بارتفاع بسيط في ضغط الدم تحسنًا في قراءات الضغط نتيجة خسارة الوزن وتحسن صحة الأيض. ومع ذلك، قد يحتاج بعض المرضى إلى تعديل جرعات أدوية ضغط الدم، ولذلك من المهم عدم إجراء أي تغييرات على الأدوية دون استشارة الطبيب.
- الصيام المتقطع والسكري: قد يكون للصيام المتقطع تأثير إيجابي محتمل لدى بعض الأشخاص المصابين بمقاومة الإنسولين أو السكري من النوع الثاني. لكن الصيام أثناء استخدام الإنسولين أو بعض أدوية السكري قد يؤدي إلى انخفاض خطير في مستوى سكر الدم. لذلك، يجب على مرضى السكري استشارة الطبيب قبل البدء بالصيام المتقطع.
- الصيام المتقطع والكبد الدهني: تشير أبحاث حديثة إلى أن الصيام المتقطع قد يكون مفيدًا لدى بعض الأشخاص المصابين بالكبد الدهني، إذ قد يساعد انخفاض مستويات الإنسولين وتحسن الوزن على تقليل تراكم الدهون في الكبد.
- الصيام المتقطع لمرضى الغدة الدرقية: قد يكون الصيام لفترات قصيرة مناسبًا لبعض المرضى الذين تتمتع حالتهم المتعلقة بالغدة الدرقية بالاستقرار. ولكن الصيام لفترات طويلة قد يؤثر في توازن الهرمونات أو الاحتياجات الغذائية، لذلك يُنصح بالمتابعة الطبية، خاصةً عند تناول أدوية الغدة الدرقية.
الصيام المتقطع وممارسة الرياضة
- تكون التمارين الخفيفة أثناء الصيام آمنة بشكل عام لدى الأشخاص الأصحاء.
- التمارين عالية الشدة أثناء الصيام المتقطع قد تحتاج إلى تنظيم توقيتها بالنسبة إلى فترة تناول الطعام.
- شرب كمية كافية من الماء أمر ضروري.
- قد يحتاج الرياضيون أو الأشخاص الذين يمارسون نشاطًا بدنيًا مكثفًا إلى خطط مخصصة لهم.
ما الفرق بين الصيام المتقطع وصيام رمضان؟
- صيام رمضان يشمل الامتناع عن الطعام والشراب من الفجر حتى غروب الشمس.
- في معظم أنظمة الصيام المتقطع الصحية، يُسمح بشرب الماء والسوائل الخالية من السعرات خلال فترة الصيام.
- صيام رمضان عبادة ذات توقيت ونظام ديني محدد، بينما يُستخدم الصيام المتقطع عادةً لأهداف صحية أو غذائية.
- قد تتشابه بعض التأثيرات الأيضية بين النوعين، إلا أن السماح بالسوائل في الصيام المتقطع يمثل فرقًا مهمًا.
هل السعرات الحرارية مهمة أثناء الصيام المتقطع؟
نعم. على الرغم من أن الصيام المتقطع يركز على توقيت تناول الطعام، فإن إجمالي السعرات الحرارية ونوعية الطعام ما زالا مهمين؛ فتناول كميات كبيرة من الطعام أو السعرات خلال نافذة الأكل قد يقلل من الفوائد المتوقعة للصيام.
ويُنصح بالتركيز على:
- البروتينات قليلة الدهون
- الخضروات الغنية بالألياف
- الدهون الصحية
- كميات معتدلة من الكربوهيدرات
هل يمكن شرب القهوة أثناء الصيام المتقطع؟
يمكن عادةً تناول القهوة السوداء دون سكر أثناء فترة الصيام، لأنها تحتوي على كمية قليلة جدًا من السعرات الحرارية.
ماذا عن القهوة مع الحليب؟ يضيف الحليب سعرات حرارية، ولذلك قد يؤدي إلى كسر الصيام بحسب الكمية المستخدمة ونوع نظام الصيام المتبع. قد تكون كمية صغيرة مقبولة في بعض الأنظمة المرنة، بينما تعتمد أنظمة الصيام الأكثر صرامة على تجنب الحليب وأي مصدر للسعرات الحرارية خلال فترة الصيام.
تأثيرات الصيام المتقطع
قد تشمل التأثيرات الإيجابية المحتملة للصيام المتقطع:
- تحسين حساسية الإنسولين
- دعم عملية أيض الدهون
- الشعور بصفاء ذهني لدى بعض الأشخاص
لكن قد تظهر أيضًا بعض الأعراض الجانبية، خاصةً خلال الفترة الأولى، ومنها:
- الصداع
- التعب
- الإمساك (غالباً بسبب انخفاض تناول الألياف)
- الشعور بالعصبية أو الانزعاج في بداية تطبيق النظام
وقد يساعد شرب كمية كافية من الماء وتناول الأطعمة الغنية بالألياف خلال نافذة الأكل على تقليل هذه المخاطر.
الصيام المتقطع والسرطان
هناك اهتمام علمي متزايد بدراسة العلاقة بين الصيام المتقطع والسرطان، خاصةً من حيث تأثير فترات الصيام في الخلايا وعمليات الأيض داخل الجسم. وتشمل المجالات التي تتم دراستها حاليًا:
- تنشيط عمليات إصلاح الخلايا: قد تساعد فترات الصيام على تنشيط بعض العمليات الطبيعية التي يستخدمها الجسم للتخلص من البروتينات التالفة وإعادة تدوير بعض مكونات الخلايا.
- دعم عملية الالتهام الذاتي للخلايا (Autophagy): قد تساهم فترات الصيام في تنشيط ما يُعرف بعملية الالتهام الذاتي، وهي إحدى الآليات التي يستخدمها الجسم للتخلص من بعض المكونات الخلوية التالفة والحفاظ على صحة الخلايا.
- تقليل الإجهاد التأكسدي: قد يساهم الصيام في تقليل الإجهاد التأكسدي الناتج عن الجزيئات غير المستقرة المعروفة بالجذور الحرة، والتي ترتبط بالالتهاب والأمراض المزمنة.
- خفض مستويات الإنسولين: قد يساعد الصيام على خفض مستويات الإنسولين وتقليل الضغط الأيضي على الجسم، وهو ما تتم دراسته لفهم دوره المحتمل في تقليل الجزيئات الضارة المرتبطة بالتلف الخلوي على المدى الطويل.
- التأثير في بعض المسارات الأيضية: قد يؤثر الصيام في بعض المسارات الأيضية المرتبطة بنمو الخلايا غير الطبيعي، ولهذا يدرس الباحثون دوره المحتمل في بعض الآليات المتعلقة بالسرطان.
هذه التأثيرات المحتملة هي جزء من المناقشة العلمية الأوسع حول فوائد الصيام المتقطع، خاصةً فيما يتعلق بصحة الأيض. لكن نحتاج إلى المزيد من الدراسات السريرية واسعة النطاق لفهم هذه العلاقات بشكل أدق وفك رموزها بالكامل.
ومن الضروري التأكيد على أن الصيام المتقطع ليس علاجًا للسرطان؛ ولا يجب استخدامه أبدًا كبديل عن العلاجات الطبية مثل العلاج الكيميائي، أو العلاج المناعي، أو العلاج الإشعاعي، أو الجراحة. كما أن الصيام دون إشراف طبي لدى المرضى الذين يخضعون لعلاج السرطان قد يؤدي إلى الضعف، أو فقدان الوزن، أو نقص العناصر الغذائية، أو حدوث مضاعفات قد تؤثر في التعافي.
لذلك، يجب على أي مريض مصاب بالسرطان ويرغب في تجربة الصيام المتقطع استشارة طبيب الأورام والفريق الطبي أولًا لضمان الحفاظ على التغذية والاحتياجات الغذائية والسعرات الحرارية والقوة البدنية بأمان خلال فترة العلاج.
الصيام المتقطع للمبتدئين: كيف تبدأ بأمان؟
إذا كنت ترغب في تجربة الصيام المتقطع للمرة الأولى، يُفضّل البدء تدريجيًا:
- ابدأ بالصيام لمدة 12 ساعة
- احرص على شرب كمية كافية من الماء
- تجنب الإفراط في تناول الطعام خلال نافذة الأكل
- حافظ على نظام غذائي متوازن
- راقب استجابة جسمك وكيف تشعر
أما المرضى المصابون بالسكري، أو اضطرابات الغدة الدرقية، أو ارتفاع ضغط الدم، أو الكبد الدهني، فيُنصح لهم بالحصول على استشارة طبية أولاً.
من يجب عليه تجنب الصيام المتقطع؟
قد لا يكون الصيام المتقطع مناسبًا لبعض الفئات، ومنها:
- النساء الحوامل أو المرضعات
- المرضى المصابون بالسكري غير المنضبط
- الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الأكل
- الأشخاص الذين يعانون من نقص الوزن
- بعض المرضى المصابين بأمراض مزمنة
- التقييم الطبي يضمن السلامة وإمكانية التطبيق بشكل موثوق.
الخلاصة
قد يقدم الصيام المتقطع بعض الفوائد الصحية المحتملة، خاصةً في التحكم بالوزن، وتحسين مستويات الكوليسترول، ودعم صحة الأيض. لكن الصيام المتقطع ليس نظامًا مناسبًا للجميع، ولا توجد خطة واحدة تصلح لكل شخص.
في مستشفى ريم بأبوظبي، يقدم أطباؤنا تقييمات فردية متكاملة قبل التوصية بأي نظام للصيام. حيث تُحدث حالتك الصحية، وتاريخك الطبي، والأدوية التي تتناولها، ونمط حياتك فارقاً حقيقياً في تحديد الأنسب لك.