يمكن أن يؤثر مرض السكري في القدمين بعدة طرق، وقد تتحول مشكلة تبدو في البداية بسيطة أو غير مهمة إلى مضاعفات خطيرة إذا لم يتم اكتشافها والتعامل معها مبكرًا.

ومن منظور طب القدم، لا تقتصر رعاية القدم السكري على علاج القرح فقط، بل تركز على الوقاية، والكشف المبكر، وتقليل العوامل التي تزيد من خطر تلف الأنسجة، والعدوى، وفي الحالات المتقدمة، البتر.

H2: لماذا تكون القدمان أكثر عرضة للمخاطر؟

يمكن أن يساهم مرض السكري في حدوث ثلاث مشكلات رئيسية تؤثر في الأطراف السفلية، وهي: الاعتلال العصبي، ومرض الشرايين الطرفية، وضعف التئام الجروح.

  • الاعتلال العصبي الطرفي السكري: قد يؤدي إلى انخفاض الإحساس الوقائي أو تغيره بشكل كبير. وقد يصاب المريض بفقاعة جلدية أو جرح أو حرق أو إصابة ناتجة عن الضغط دون أن يشعر بها، ويزداد القلق بشكل خاص عندما يستمر الضغط المتكرر بسبب المشي أو ارتداء أحذية غير مناسبة.
  • مرض الشرايين الطرفية: يمكن أن يقلل من تدفق الدم إلى القدم، مما يؤثر في وصول الأكسجين والعناصر الغذائية اللازمة للحفاظ على صحة الأنسجة والتئام الجروح.

وعندما يجتمع الاعتلال العصبي مع ضعف الدورة الدموية والضغط الميكانيكي على القدم، يزداد خطر الإصابة بالقرح بشكل ملحوظ.

أهمية تقييم القدم من قبل أخصائي طب القدم

يجب ألا يقتصر التقييم الشامل للقدم السكري على فحص الجلد فقط. وينبغي لأخصائي طب القدم تقييم ما يلي:

  • الإحساس الوقائي وعلامات الاعتلال العصبي الطرفي
  • حالة الدورة الدموية ومؤشرات مرض الشرايين الطرفية
  • سلامة الجلد، بما في ذلك مسامير القدم، والتشققات، والفقاعات الجلدية، والتغيرات التي قد تسبق ظهور القرح
  • أظافر القدم والالتهابات الفطرية
  • تشوهات القدم
  • حركة المفاصل والميكانيكا الحيوية للقدم
  • المناطق التي تتعرض لضغط زائد في باطن القدم
  • نوع الحذاء ومدى ملاءمته للقدم
  • وجود تاريخ سابق لقرح القدم أو البتر
  • علامات العدوى
  • احتمالية وجود اعتلال مفاصل شاركو العصبي

توصي إرشادات المعهد الوطني للتميز في الصحة والرعاية (NICE) بأن يخضع البالغون المصابون بالسكري لتقييم القدم عند تشخيص المرض، ثم مرة واحدة على الأقل سنويًا، مع إعادة التقييم عند ظهور أي مشكلة في القدم أو عند حدوث تغير مهم في الحالة الصحية. وينبغي أن يشمل التقييم البحث عن الاعتلال العصبي، ونقص التروية الدموية، والقرح، ومسامير القدم، والعدوى، والتشوهات، والغرغرينا، واعتلال مفاصل شاركو.

تصنيف مستوى الخطورة مهم

لا يواجه جميع المصابين بالسكري مستوى الخطورة نفسه.

فالشخص المصاب بالسكري الذي يحتفظ بإحساس طبيعي في القدمين، ولديه دورة دموية جيدة، ولا يعاني من تشوهات كبيرة في القدم، قد يحتاج فقط إلى المتابعة الدورية. أما المريض الذي يعاني من الاعتلال العصبي، أو مرض الشرايين الطرفية، أو سبق له الإصابة بقرحة في القدم أو الخضوع للبتر، أو يحتاج إلى العلاج التعويضي للكلى، فقد يحتاج إلى متابعة أكثر دقة وانتظامًا.

وتصنف إرشادات NICE المرضى وفقًا لدرجة الخطورة، حيث يحتاج الأشخاص المصنفون ضمن فئتي الخطورة المتوسطة والعالية إلى الإحالة إلى خدمة متخصصة لحماية القدم.

وهنا تظهر أهمية طب القدم بشكل خاص، إذ يتيح تحديد عوامل الخطورة قبل ظهور القرحة التدخل في الوقت الذي تكون فيه القدم لا تزال سليمة.

مسمار القدم ليس مجرد “جلد سميك”

من أهم النقاط في رعاية القدم السكري عدم اعتبار مسمار القدم أو الجلد المتصلب مشكلة تجميلية فقط.

فزيادة سماكة الجلد قد تكون مؤشرًا على وجود ضغط ميكانيكي متكرر أو زيادة الضغط على منطقة معينة من القدم. ولدى الأشخاص الذين يعانون من ضعف الإحساس، قد يستمر هذا الضغط دون أن يدرك المريض وجود المشكلة.

يمكن لأخصائي طب القدم التعامل مع الجلد المتصلب أو مسامير القدم بأمان، مع البحث في الوقت نفسه عن السبب الأساسي لظهورها:

  • فهل يوجد بروز في رأس إحدى عظام مشط القدم؟
  • أم تشوه في القدم؟
  • أم محدودية في حركة المفاصل؟
  • أم أن الحذاء غير مناسب؟
  • أم أن هناك خللًا في طريقة المشي؟

إن علاج مسمار القدم دون معالجة السبب الميكانيكي الأساسي قد يؤدي ببساطة إلى عودة المشكلة مرة أخرى.

وتوصي المجموعة الدولية المعنية بالقدم السكري (IWGDF) بعلاج التغيرات التي قد تسبق ظهور القرح وإزالة الجلد المتصلب الزائد لدى الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بقرح القدم السكري.

يمكن أن يكون الحذاء جزءًا من العلاج الطبي

يُعد اختيار الحذاء المناسب أحد أهم الوسائل الوقائية المتاحة في طب القدم.

يجب أن يتناسب الحذاء مع شكل القدم، وأن يوفر مساحة كافية لأصابع القدم، وأن يقلل الضغط الزائد والاحتكاك.

وقد يحتاج المرضى المعرضون لخطورة متوسطة أو عالية إلى أحذية علاجية مصممة خصيصًا. أما الأشخاص الذين سبق أن أصيبوا بقرح في باطن القدم، فقد تساعد الأحذية المصممة لتقليل الضغط على باطن القدم بشكل مثبت في تقليل احتمالية عودة القرح.

ولهذا يجب أن يكون تقييم الحذاء جزءًا أساسيًا من استشارة القدم السكري، وليس أمرًا ثانويًا يتم التفكير فيه لاحقًا.

تثقيف المريض جزء من الوقاية

تعتمد الرعاية الجيدة للقدم السكري أيضًا على ما يقوم به المريض بين الزيارات الطبية. يُنصح المرضى المعرضون للمخاطر بما يلي:

  • فحص القدمين بانتظام
  • تجنب المشي حافي القدمين
  • ارتداء أحذية واقية ومناسبة
  • الحفاظ على نظافة القدمين وجفافهما
  • ترطيب الجلد الجاف مع تجنب وضع كميات زائدة من المرطبات بين أصابع القدم
  • قص أظافر القدم بطريقة صحيحة
  • إبلاغ الطبيب سريعًا عن أي جرح جديد أو فقاعة جلدية أو تغير في لون القدم أو تورم
  • فحص الحذاء والتأكد من عدم وجود أجسام غريبة داخله أو مناطق تسبب الضغط على القدم

وتوصي إرشادات IWGDF تحديدًا بتوعية الأشخاص المعرضين للمخاطر بعدم المشي حافي القدمين أو بالجوارب فقط دون ارتداء الأحذية، كما توصي بالعناية اليومية المناسبة بنظافة القدم والجلد.

ولا يقتصر الهدف على إخبار المرضى بما يجب عليهم القيام به فقط؛ فالرعاية الفعالة في طب القدم تشمل أيضًا توضيح سبب أهمية هذه السلوكيات ومساعدة المريض على دمجها في روتينه اليومي.

لا تتجاهل أبدًا القدم الساخنة والمتورمة

من أهم العلامات التحذيرية ظهور سخونة أو تورم أو تغير جديد في لون القدم، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من الاعتلال العصبي.

وقد لا يشعر المريض بألم شديد رغم وجود مشكلة كبيرة في الأنسجة أو العظام. ولهذا ينبغي التفكير في احتمال الإصابة باعتلال شاركو العصبي العظمي عند ظهور قدم ساخنة ومتورمة دون سبب واضح، وخاصة إذا كان هناك تغير في لون الجلد. وتصنف إرشادات NICE هذه الحالة على أنها من مشكلات القدم السكري النشطة التي تتطلب تقييمًا متخصصًا بشكل عاجل.

ويُعد الاكتشاف المبكر أمرًا بالغ الأهمية، لأن الاستمرار في تحميل الوزن على قدم مصابة باعتلال شاركو وغير مستقرة قد يؤدي إلى زيادة التشوه وحدوث مضاعفات إضافية.

ماذا يحدث إذا ظهرت قرحة؟

بمجرد ظهور قرحة في القدم، ينتقل التركيز من الوقاية إلى التقييم السريع والعلاج من خلال فريق متعدد التخصصات.

ويجب تقييم القرحة من حيث:

  • عمقها
  • وجود العدوى
  • تدفق الدم إلى المنطقة
  • موقعها
  • مقدار الضغط الميكانيكي الواقع عليها

ويُعد تخفيف الضغط عن المنطقة المصابة أمرًا بالغ الأهمية، لأن الضغط المستمر قد يمنع التئام القرحة. وتعتبر إرشادات IWGDF تخفيف الضغط الميكانيكي عن الأنسجة أحد أهم التدخلات التي تساعد على التئام قرح القدم المرتبطة بالسكري.

وبحسب حالة المريض، قد يشارك في العلاج كل من أخصائيي طب القدم، والغدد الصماء والسكري، وجراحة الأوعية الدموية، والعناية بالجروح، وجراحة العظام، والأحياء الدقيقة، إلى جانب تخصصات أخرى ضمن الفريق متعدد التخصصات.

كما توصي NICE بأن تتوفر لدى خدمات القدم السكري المتخصصة الخبرات اللازمة من هذه التخصصات المختلفة، نظرًا لتعقيد حالات القدم السكري.

طب القدم يركز على الوقاية وليس العلاج فقط

من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا حول رعاية القدم السكري الاعتقاد بأن المريض يحتاج إلى مراجعة أخصائي طب القدم فقط عند ظهور مشكلة.

في الواقع، فإن أكبر فرصة للاستفادة من طب القدم تكون غالبًا قبل ظهور القرحة. فالكشف عن الاعتلال العصبي، وضعف الدورة الدموية، وتشوهات القدم، والضغط الزائد، ومسامير القدم، أو الأحذية غير المناسبة يمنح المختص فرصة للتدخل المبكر.

وتوصي إرشادات IWGDF للوقاية لعام 2023 بالتقييم المنتظم لمستوى الخطورة، وتثقيف المرضى حول العناية الذاتية المناسبة بالقدم، وعلاج المشكلات التي تسبق ظهور القرح، وتقديم رعاية متكاملة للقدم لدى الأشخاص المعرضين لخطورة متوسطة أو عالية.

دور أخصائي طب القدم

يمكن لأخصائي طب القدم أن يؤدي دورًا أساسيًا في حماية قدم المريض المصاب بالسكري من خلال:

  • التقييم: تحديد عوامل الخطورة العصبية، والوعائية، والجلدية، والميكانيكية الحيوية.
  • الوقاية: التعامل مع مسامير القدم، والأظافر، ومشكلات الجلد، والتغيرات التي قد تسبق ظهور القرح.
  • الميكانيكا الحيوية: اكتشاف أنماط التحميل والضغط غير الطبيعية التي قد تساهم في تلف الأنسجة.
  • الأحذية: التوصية بالأحذية المناسبة، والفرشات الطبية، ووسائل تخفيف الضغط.
  • التوعية: مساعدة المرضى على التعرف إلى العلامات التحذيرية المبكرة وفهم أسس العناية اليومية بالقدم.
  • التدخل المبكر: التعرف إلى القرح، والعدوى، ونقص التروية الدموية، والاشتباه في اعتلال شاركو العصبي، واتخاذ الإجراءات المناسبة لإحالة المريض للعلاج المتخصص.
  • الرعاية متعددة التخصصات: التعاون مع الأطباء، وأخصائيي الأوعية الدموية، وفرق العناية بالجروح، والجراحين وغيرهم من المتخصصين عند الحاجة.

الخلاصة

لا ينبغي تقييم القدم السكري بمعزل عن بقية العوامل الصحية والميكانيكية المحيطة بها.

  • فقد يكون مسمار قدم صغير علامة على وجود ضغط غير طبيعي.
  • وقد تكون فقاعة جلدية غير مؤلمة بداية لقرحة.
  • وقد يشير تورم القدم إلى وجود اعتلال شاركو العصبي.
  • كما قد يشير الجرح الذي لا يلتئم إلى وجود مشكلة مهمة في الدورة الدموية.

لذلك، لا تقتصر الأولوية في طب القدم على علاج ما هو ظاهر فقط، بل تتمثل في فهم سبب حدوث المشكلة، وتحديد مستوى خطورة المريض، ومعالجة العوامل المسببة، والحد من احتمالية تكرار المشكلة.

ويمكن للتدخل المبكر من قبل أخصائي طب القدم أن يُحدث فرقًا كبيرًا في الحفاظ على صحة القدم لدى مرضى السكري على المدى الطويل. وكما تؤكد إرشادات IWGDF، فإن الوقاية والرعاية المتكاملة للقدم تلعبان دورًا أساسيًا في تقليل مضاعفات أمراض القدم المرتبطة بالسكري.

الحفاظ على صحة القدم لدى مرضى السكري لا يتحقق بانتظر ظهور المشكلات، بل يتم حمايتها من خلال التقييم المنتظم، والتوعية، والوقاية، والتدخل المبكر.

مشاركه فى:

كتب بواسطة
د.رهف وجدي

كاتب محتوى طبي

الدكتورة رهف وجدي هي أخصائية أشعة نووية مصرية ومنشئة محتوى طبي تدمج خبرتها السريرية مع الإبداع الرقمي. تتمتع بخبرة تزيد عن خمس سنوات في كتابة المحتوى الطبي باللغتين العربية والإنجليزية، وهي مكرسة لتبسيط المعلومات الطبية المعقدة وجعلها في متناول جمهور...

تواصل معنا

الموقع